الآلوسي
18
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
تَجْتَنِبُوا أي تتركوا جانبا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ أي ينهاكم اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم عَنْهُ أي عن ارتكابه مما ذكر ومما لم يذكر ، وقرئ - كبير - على إرادة الجنس فيطابق القراءة المشهورة ، وقيل : يحتمل أن يراد به الشرك نُكَفِّرْ أي نغفر ونمحو « 1 » واختيار ما يدل على العظمة بطريق الالتفات تفخيم لشأن ذلك الغفران ، وقرئ « 2 » يغفر - بالياء التحتانية عَنْكُمْ أيها المجتنبون سَيِّئاتِكُمْ أي صغائركم كما قال السدي ، واختلفوا في حد الكبيرة على أقوال : الأول أنها ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة ، وإليه ذهب الشافعية ، والثاني أنها كل معصية أوجبت الحد ، وبه قال البغوي وغيره ، والثالث أنها كل ما نص الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد ، والرابع أنها كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة ، وبه قال الإمام ، والخامس أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد ، وبه قال الماوردي في فتاويه ، والسادس أنها كل محرم لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه ، وحكي ذلك بتفصيل مذكور في محله عن الحليمي ، والسابع أنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه بلفظ التحريم ، وقال الواحدي : الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به ، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ، ولكن اللّه تعالى أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب الكبائر ، ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة انتهى . وقال شيخ الإسلام البارزي : التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن بنص كتاب أو سنة ، أو علم أن مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكثر من مفسدته ، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك كما لو قتل معصوما فظهر أنه مستحق لدمه ، أو وطئ امرأة ظانا أنه زان بها فإذا هي زوجته أو أمته ، وقال بعضهم : كل ما ذكر من الحدود إنما قصدوا به التقريب فقط وإلا فهي ليست بحدود جامعة ، وكيف يمكن ضبط ما لا مطمع في ضبطه ، وذهب جماعة إلى ضبطها بالعد من غير ضبطها بحد ، فعن ابن عباس وغيره أنها ما ذكره اللّه تعالى من أول هذه السورة إلى هنا ؛ وقيل : هي سبع ، ويستدل له بخبر الصحيحين « اجتنبوا السبع الموبقات الشرك باللّه تعالى والسحر وقتل النفس التي حرم اللّه تعالى إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات » ، و في رواية لهما « الكبائر الإشراك باللّه تعالى والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس » زاد البخاري « واليمين الغموس » ومسلم بدلها « وقول الزور » والجواب أن ذلك محمول على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ذكره قصدا لبيان المحتاج منها وقت الذكر لا لحصره الكبائر فيه - وممن صرح بأن الكبائر سبع - علي كرم اللّه تعالى وجهه وعطاء وعبيد بن عمير ، وقيل : تسع لما أخرجه علي بن الجعد عن ابن عمر أنه قال حين سئل عن الكبائر : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : هن تسع الإشراك باللّه تعالى وقذف المحصنة وقتل النفس المؤمنة والفرار من الزحف والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا » ونقل عن ابن مسعود أنها ثلاث ؛ وعنه أيضا أنها عشرة ، وقيل : أربع عشرة ، وقيل : خمس عشرة ، وقيل : أربع ، وروى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له : هل الكبائر سبع ؟ فقال : هي إلى السبعين أقرب ، وروى ابن جبير أنه قال له : هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار ، وأنكر جماعة من الأئمة أن في الذنوب صغيرة ، وقالوا : بل سائر المعاصي كبائر منهم الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني والقاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين
--> ( 1 ) قوله : « ونمحو » كذا بخطه بالواو مع أنه تفسير للمجزوم فكان حقه حذف الواو . ( 2 ) قوله : وقرئ « يغفر » كذا بخطه ، ولفظ القرآن « يكفر » ا ه .